عبد القادر الجيلاني

106

فتوح الغيب

فهل كان نور المؤمن الّذي أطفأ لهب النّار في لظى إلّا الّذي صحبه في الدّنيا الّذي لن يمرّ من أطاعها وعصى ؟ ! فليطفىء هذا النّور لهب البلوى ، ولتجد برد صبرك وموافقتك للمولى ، وهيّج ما حلّ بك من ذلك النّور ومنك دنا ، فالبليّة لم تأتك لتهلكك ، لكنّها تأتيك لتجرّبك ، وتحقّق صحّة إيمانك وتوثّق « 1 » عروة يقينك ، ويبشّرك باطنها من مولاك بمباهاته بك . قال اللّه تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ « 2 » حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا « 3 » أَخْبارَكُمْ [ محمد : 31 ] . فإن ثبت مع الحقّ « 4 » إيمانك ، ووافقته في فعله بيقينك ، كلّ ذلك بتوفيق منه ومنّة ، فكن حينئذ أبدا صابرا موافقا مسلّما ، لا تحدث فيك ولا في غيرك حادثة ما خرج عن الأمر والنّهي ، فإذا كان أمره عزّ وجلّ فتسامع وتسارع وتحرّك ولا تسكن ولا تسلّم للقدر والفعل ، بل ابذل طوقك ومجهودك لتؤدّي الأمر ، فإن عجزت فدونك الالتجاء إلى مولاك عزّ وجلّ ، فالتجىء إليه وتضرّع واعتذر ، وفتّش عن سبب عجزك عن أداء أمره وصدّك عن التشوّق لطاعته لعلّ ذلك لشؤم دعائك وسوء أدبك في طاعته ، ورعونتك واتّكالك على حولك وقوّتك ، وإعجابك بعلمك وشركك إيّاك « 5 » بنفسك وخلقه ، فصدّك عن بابه ، وعز لك عن طاعته وخدمته ، وقطع عنك مدد توفيقه ، وولّى عنك وجهه الكريم ، ومقتك وقلاك ، وشغلك ببلائك : دنياك ، وهواك ، وإرادتك ، ومناك . أما تعلم أنّ كلّ ذلك مشغول عن ذلك ، وقاطعك عن عين الّذي خلقك وربّاك ، وخوّلك وأعطاك وحباك « 6 » .

--> - التميمي . وهو أيضا : يعلى بن منية ، وهي أمّه ، ويقال : جدّته ، وهي منية بنت غزوان أخت عتبة بن غزوان . أسلم يوم فتح مكة ، وشهد الطائف وحنينا وتبوك مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وروى عنه . ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( وتوثيق ) . ( 2 ) نختبركم بالجهاد وغيره . ( 3 ) نظهر . ( 4 ) في نسخة : ( الخلق ) . ( 5 ) في نسخة : إياه . ( 6 ) تحرف في المطبوع إلى : ( حياك ) .